الخميس، 4 يوليو 2013

قواعد الحرب في الاسلام و القانون الدولي





قد حرصت على توضيح قواعد الإسلام في الحرب كي يدرك المجتمع الدولي أن الإسلام لم يتأخر يوما عن ركب الحضارة، فأبناء الإسلام علموا أوروبا الحضارة بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء, ويكفينا شهادة الله في كتابه الكريم (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، وقد سبق فقهاء الإسلام الى وضع قواعد الحرب في الإسلام كاملة قبل أن ينص القانون الإنساني الدولي على الكثير من بنودها، فالفقيه محمد أبي الحسن الشيباني أول من وضع قواعد ومبادئ وأحكام هذا العلم في كتابيهالسير الكبير وكتابه السير الصغير، وتكريما له أنشأت في ألمانيا جمعية تحمل اسمه.
و في دراستنا هذه سوف نقارن بين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية وفي القانون الدولي المعاصر الوضعي، لنثبت أن هذا القانون متجذر في الإسلام وقد طبقه المسلمون كافة بداية من رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم حتى عامتهم، دون تقصير أو انتقاص، فقواعد الحرب في الإسلام عبادة يتقرب بها المسلم إلي ربه، وتلك عظمة التشريع الالهى، الذي جعل الرحمة للناس كافة مهما خالفوه في العقيدة وحاربوه فيها, و تلك عظمة الإسلام.

أولا: قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية

لقد تنبه علماء القانون في الغرب لعظمة الشريعة الإسلامية ومعرفتها الدقيقة بحاجات المجتمعات منذ وقت بعيد، وتوالت كتاباتهم وتعالت صيحاتهم للإشادة بالقوانين المستمدة من الإسلام، فتم الاعتراف بالشريعة الإسلامية كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدد من المؤتمرات الدولية العلمية منذ عام (1932م) منها:
1- القانون المقارن الدولي في لاهاي عام 1932م.
2- مؤتمر لاهاي المنعقد في عام 1937م.
3- مؤتمر القانون المقارن في لاهاي 1938م.
4- المؤتمر الدولي عام 1945م بواشنطن.
5- شعبة الحقوق بالمجمع الدولي للقانون المقارن 1951م بباريس.
وقد صدرت عن هذه المؤتمرة قرارات هامة هي:
أ- اعتبار التشريع الإسلامي مصدرًا رابعًا لمقارنة الشرائع.
ب- الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها لا تمت إلى القانون الروماني أو إلى أي شريعة أخرى.
ج- صلاحية الفقه الإسلامي لجميع الأزمنة والأمكنة.
د- تمثيل الشريعة الإسلامية في القضاء الدولي ومحكمة العدل الدولية.

في مؤتمر لاهاي للقانون المقارن لعام (1932م) أشار الفقيه الفرنسي (لأمبير) إلى ظاهرة التقدير الكبير للتشريع الاسلامى الذي بدأ يسود بين فقهاء أوروبا وأمريكا في العصر الحاضر فقال: (ولكني لا أرجع إلى الشريعة "يقصد الشريعة الإسلامية" لأثبت صحة ما أقول، ففي هذه الشريعة عناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها، لصنعت منها نظريات ومبادئ لا تقل في الرقي والشمول وفي مسايرة التطور عن أخطر النظريات الفقهية التي تتلقاها عن الفقه الغربي اليوم).
أيضا هناك فقهاء من الغرب أقروا بفضل الإسلام على القانون الدولي العام, منهم "فيتو ريا وسو ارس"، والبارون "ميشيل دي توب" أستاذ القانون الدولي بمعهد الدراسات الدولية بلاهاي بهولندا، حيث ذكر الكثير من القواعد والأحكام سبق الإسلام بها القانون الدولي وعلى الأخص في نظم الحرب، وأورد وصية أبي بكر لجنوده، وذلك في الجزء الأول من مجموعة دراسات سنة 1926م لأكاديمية القانون الدولي، كما أورد الأوامر التي أصدرها في قرطبة الخليفة الحاكم بن عبد الرحمن في هذا الشأن سنة 963م، أي قبل أن تعمل الكنيسة البابوية للسلام، ومنهم أيضًا المؤرخ (سيد يو ) في كتابه تاريخ العرب ص 152، حيث عدد الكثير من فضل الإسلام على الحضارة الغربية، وعلى الأخص في القانون الدولي.
و قد أفاض فقهاء الشريعة الإسلامية في كتب السير وكتب الجهاد، في شرح وبيان قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدون ومن تبعهم وسار على نهجهم.

القاعدة الأولى:
حماية النفس الإنسانية، أو حق الحياة، فحرص الإسلام دون غيره من الملل والنحل والقوانين على النفس وحماها ، فقال تعالى (من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفسا أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم ر سلنا بالبينات ثم أن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون) المائدة الآية 32, و قال تعالى (والذين لا يدعون مع الله آلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلقى آثاما ) الفرقان 68.
وقد تعدد الأحاديث النبوية التي طالبت المؤمنين باحترام النفس الإنسانية وحمايتها، فقد قال صلى الله عليه وسلم عن قتل النفس أنها من الكبائر (الإشراك بالله، وقتل النفس)، وقال أيضًا (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا).

القاعدة الثانية:
النهى عن قتال غير المعتدين و تحريم الحرب العدوانية, مع إعطاء المسلمين حق الدفاع الشرعي الذي لم تعرفه البشرية إلا حديثًا, فقال تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين, واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين, فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم, وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين, الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدي عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) البقرة 190 – 194.

القاعدة الثالثة:
أباح الإسلام الحرب ردًا على الظلم, على أن تكون العقوبة بالمثل مع الحث على العفو إن أمكن, فقال تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير, الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها أسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره أن الله لقوى عزيز) الحج39ـ 40, و قال تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) النحل: 126.

القاعدة الرابعة:
أباح الإسلام الحرب عقوبة الخيانة ونقض العهد للاتفاقيات التي تعقدها الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى، فقال تعالى: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون, الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون, فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) الأنفال: 55: 58, و قال تعالى (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون, فأن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون, وإن نكتوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون, إلا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه أن كنتم مؤمنين, قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) التوبة: 10: 14.

القاعدة الخامسة:
أباح الإسلام الحرب لنصرة المظلوم, فقال تعالى (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا آخر جنا من هذه القرية الظالم أهلها وأجعل لنا من لدنك وليا وأجعل لنا من لدنك نصيرا) النساء 75, كما قال تعالى (ان الذين أمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين أمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم شيء حتى يهاجروا وأن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ألا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير, والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال: 72 -73.

القاعدة السادسة:
أمر الإسلام أتباعه بالاستعداد بالقوة الكافية لإرهاب الأعداء وليس الاعتداء فأمرهم بعمل جيش قوي فيه القوة بكافة ما استطاعوا من أسلحة, فقال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف أليكم وانتم لا تظلمون ) الأنفال: 60.

القاعدة السابعة:
حث الإسلام على مبدأ إعلان الحرب قبل القتال, ففي حديثين للرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب و لمعاد بن جبل في غزوتين مختلفتين (لا تقاتلوهم حتى تدعوهم للإيمان، فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم ويقتلوا منكم قتيلاً، ثم أروهم هذا القتيل وقولوا لهم هل لكم خيرًا من ذلك بأن تقولوا لا إله إلا الله... فلأن يهدي الله على يديك رجلاً واحدًا خيرًا لك مما طلعت عليه الشمس وغربت).
هكذا عرف الإسلام مبدأ إعلان الحرب قبل القتال قبل القانون الدولي الوضعي الذى لم يعرف هذا المبدأ إلا في عام (1907م) في مؤتمر لاهاي الثاني، وقد أعلن هذه الحقيقة البارون ميتشيل دي توب حيث قال (أنه وجد مبدأ إعلان الحرب في كتابات الفقهاء المسلمين مثل الحسن البصري البغدادي و المارودي، في حين أن أوروبا قد غشيها الفوضى الإقطاعية...) ثم قال (لقد ساعد العالم الإسلامي في سبيل توفير الإنسانية الصحيحة على البشرية البائسة مساعدة يجب أن يُنظر إليها بعين التقدير السامي باعتبارها أسمى مما تم في أوروبا الرومانية والجرمانية والبيزنطية خلال القرون الوسطي، ولقد استفاد العالم الأوربي من الإسلام فوائد جمة مترامية المحيط).

القاعدة الثامنة:
كان للإسلام السبق في التمييز بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين الذين لا يقاتلون، الذي يتباهى الغرب قولاً لا عملاً بأنه يطبقها ولكنه يقننها فقط سرقة من الفكر الإسلامي. ففي وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لقادة الجيش في كافة الغزوات قال (انطلقوا باسم الله وعلى بركة رسوله لا تقتلوا شيخًا ولا طفلاً ولا صغيرًا ولا امرأة ولا تغلوا "أي لا تخونوا"، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، وقال أيضًا: (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا، ولا تقتلوا أصحاب الصوامع), وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات امرأة مقتولة فغضب وقال (ما كانت هذه تقاتل أو لتقاتل) صدق من سماك الرءوف الرحيم وصلى الله عليك وسلم.

القاعدة التاسعة:
أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الإحراق بالنار فقال: (لا ينبغي أن يضرب بالنار إلا رب النار) رواه أبو داوود والدار مي.

القاعدة العاشرة:
الحفاظ على البنية التحتية و المال العام و الخاص, فهذا أبو بكر الصديق أول خليفة للمسلمين يوصي أمير أول بعثة حربية في عهده أسامة بن زيد فيقول: (لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدورا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة ولا تقطعوا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة وسوف تمرون على قوم فرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له), وفي وصيته لأميره على الجيش المتوجه الى الشام زاد أبو بكر على ما سبق فقال (ولا تقاتل مجروحًا فإن بعضه ليس منه، أقلل من الكلام فإن لك ما وعي عنك، وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سرائرهم ولا تحبس عسكرك فتفضحه ولا تهمله فتفسده، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه).

القاعدة الحادية عشر:
وضع الإسلام منهاجًا في معاملة الأسرى جوهره التكريم والمحافظة على كرامة الأسير والمحافظة على حياته, فقال تعالى (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وان يأتوكم أساري تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ألا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) البقرة 85, و قال تعالى ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم, لولا كتاب من الله سبق لمسكم في ما آخذتم عذاب عظيم) الأنفال: 67- 68, و قال أيضا ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم, وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم). الأنفال 70-71, و قال تعالى ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا آثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم ولكن ليبلوكم بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ) 4 محمد, و قال تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) 8 الانسان. و قال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالأسرى خيرًا) أخرجه الطبراني في الصغير (جـ 1، 250).
وتتلخص نظرية الإسلام في الأسرى في عناصر ثلاثة هي, حسن المعاملة حتى يُبت في أمرهم, المن "إطلاق سراحهم" والفداء "الفدية" لمن يرجى منهم الخير, القتل لمجرمي الحرب.

القاعدة الثانية عشر:
حتى القتلى في الإسلام لهم حقوق, منها النهى عن التمثيل بالجثث, فقال صلى الله عليه وسلم (إياكم والمثله ولو بالكلب العقور), و يدفن قتلى الكفار في المعارك ولا يُتركوا في الشوارع حتى تأكل منهم الحيوانات.

القاعدة الثالثة عشر:
حماية حق الإنسان في الحياة، وجعل قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا، فقال الله تعالي ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض كمن قتل الناس جميعا) 32 المائدة.

القاعدة الرابعة عشر:
فوضع الإسلام ضوابط النزاعات المسلحة الداخلية غير ذات الطابع الدولي من خلال مبدأ التسوية السلمية للمنازعات التي تقوم بين المسلمين وأسبقيتها علي الدفاع الشرعي فقال الله تعالي في القرآن ( وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما) والصلح هنا يدل ويشير إلي الوسائل السلمية لفض المنازعات, بالإضافة الى مبدأ الدفاع الشرعي الجماعي لقتال الدولة الباغية، فقال تعالي ( فإن بغت احداهما علي الأخري فقاتلوا التي تبغي حتي تفئ إلي أمر الله) ولفظ القتال جاء بصيغة الأمر للمؤمنين (فقاتلوا) من أجل استنفار كل الهمم لإرجاع الحق إلى أصحابه و رد الجميع ظالم و مظلوم إلى أمر الله.
ثانيا : قواعد الحرب في القانون الدولي المعاصر

لقد تأخر القانون الدولي المعاصر كثيرا في الأخذ بقواعد الحرب الموجودة في الشريعة الإسلامية, حيث بدأ ذلك في القرن الماضي فقط بعد أن ذاقت البشرية مرارة الحروب التي قتل فيها ملايين الناس وتهدمت البيوت والمدن على رؤوس أصحابها بدعوى المدنية والحضارة ولم يترك العالم الغربي نقيصة إلا وارتكبها, حتى بعد إقرار ضوابط الحرب في معاهدات جنيف الأربعة عام 1949والبرتوكولين الإضافيين لهما عام 1977 ظلت هذه الضوابط حبر على ورق.
و تتلخص مهمة القانون الدولي الإنساني في حماية حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة، يتكون من مجموعة مبادئ متفق عليها دولياً ومستقرة في المجتمع الدولي، تدعو إلى الحد من استخدام العنف أثناء النزاعات المسلحة، وحماية الأفراد المشتركين في العمليات الحربية، والذين توقفوا عن المشاركة فيها، مثل الجرحى والمصابين والأسرى والمدنيين بقصد جعل العنف في النزاعات المسلحة محصورا في الأعمال التي تقتضيها الضرورة العسكرية.
و مصادر القانون الدولي الإنساني هي اتفاقيات لاهاي لعامي 1899 و 1907م، خاصة المواد التي تنص علي الوسائل المسموح بها أثناء النزاعات المسلحة، واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م (الأولى المتضمنة حماية الجرحى والمرضى وتحسين أحوالهم في القوات المسلحة في الميدان، والثانية بشأن تحسين حالة الجرحى والمرضى والغرقى في القوات المسلحة في البحار، والثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، والرابعة بخصوص حماية المدنيين وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977م). و إضافة إلى ذلك الإعلان الدولي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة لعام 1974م، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لعام 1984م, والمدونة الخاصة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين 1979م, و تنص كافة هذه الاتفاقيات على عدم حرمان أحد من حياته بشكل تعسفي، أو تعريضه للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المحاطة بالكرامة.
و مع كثرة هذه القوانين إلا أنها تعانى من الضعف والفشل بسبب أن هذه الاتفاقيات لا تطبقها بعض الدول, و حتى الدول التي أخذت بها لا تلتزم بها بكاملها, خاصة وأن هذه الاتفاقيات رضائيه أي تخضع من حيث الالتزام بها إلى إرادة الأطراف الموقعين عليها, فلا يوجد ما يجبرهم على احترامها, لغياب السلطة التي تسهر على تطبيق قواعد وأحكام القانون الدولي كما هو الحال في القانون الداخلي لتلك الدول. كما أن الضوابط الواردة في هذه الاتفاقيات وغيرها من قواعد وأحكام القانون الدولي الانسانى لم تصل بعد لا في درجتها ولا رقيها إلى المستوى الذي وصلت إليه الشريعة الإسلامية المستمدة من رب العالمين و التى نتعبد لله بتنفيذ كافة بنودها, و لذا نجد أن قواعد الإسلام يلتزم بها كل المسلمين خلفاء وقادة وجنود, و ليس أدل على ذلك من أن الخليفة عمر بن الخطاب عزل قائد جيوشه خالد ابن الوليد بالرغم من كثرة الانتصارات العظيمة التي حققها, وقال (أن سيف خالد فيه رهقا) أي أن سبب عزله كثرة القتل.
و قد أخذ القانون الدولي الوضعي حقبة طويلة جدا من الزمن و التغييرات المتتالية حتى يصل إلى بعض المبادىء السامية التي وصل إليها الإسلام منذ عدة قرون, فقد كان القانون الدولي لا يطبق الضوابط التي وصل إليها في القرن العشرين على كافة النزاعات المسلحة, حيث كان يشترط شروطا معينة حتى يطبق القانون الدولي على هذه الحروب, منها وجوب إعلان الحرب من قبل الدول رسميا, و أن تكون هذه الحرب بين دول يعترف بها القانون الدولي, وأن يشنها أمير البلاد, والحرب التي تفقد شرط من هذه الشروط تخرج من نطاق القانون الدولي ولا تخضع لأحكامه وقواعده, مما جعلها أكثر شراسة من غيرها. ثم اختزل القانون الدولي هذه الشروط الى شرط واحد للتدخل و هو قيام هذا النزاع المسلح بين دولتين أو حتى داخل الدولة الواحدة.
و من سلبيات القانون الدولي أيضا أنه أعطى الدول الحق في استعمال كافة الوسائل التي تُنهى على الخصم ولم يضع إلا القليل النادر من الضوابط التي لم تحترم من كافة الدول, فكان كل شيء مباح في الحرب. كما أن القانون الدولي لم يُخضع النزاعات المسلحة الداخلية (غير ذات الطابع الدولي) إلى التنظيم إلا في القرن العشرين, وحتى هذه الضوابط لم تصل إلى الضوابط الواردة في الشريعة الإسلامية.
ولم يحرم القانون الدولي المعاصر صراحة الحرب إلا في ميثاق الأمم المتحدة في نص المادة (2/4) التي نصت على أن (يمتنع أعضاء الهيئة عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة)، وقد مر قانون تحريم الحرب في القانون الدولي بمسيرة طويلة جدا، ذاقت خلالها البشرية أهوال يعجز عنها الوصف, فانتقل من الإباحة إلي التقييد ثم التحريم بفضل المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة.
والحرب الدفاعية التي أقرها الإسلام, لم يصل إليها القانون الدولي إلا من خلال ميثاق الأمم المتحدة في المادة (51) والتي نصت على أن (ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس -بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه).
أما الحرب الجماعية ( الدفاع الشرعي الجماعي) ضد المعتدى فلم يعرفها القانون الدولي إلا من خلال ميثاق الأمم المتحدة والتي نص عليها في ثنايا مواده خاصة المادة (51 ) والفصل السابع من الميثاق. أما الشريعة الإسلامية فقد عرفت هذا النظام (الدفاع الشرعي الجماعي) منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان فى قول الله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله).
و كما تأخر القانون الدولي في تنظيم قواعد الحرب فقد تأخر في إعلان حق الحياة لكل إنسان, و الذي يعتبر الحق الأساسي للإنسان، و الذي بدونه تصبح الحقوق الأخرى سراب ومجرد أوهام، و لذلك فقد أفردت له القوانين الوضعية، نصوصا قانونية أصبغت عليه حماية قانونية دولية، ومن هنا كان وصف الحق في الحياة بالحق الطبيعي أو الأساسي، الذي لا يجوز التنازل عنه، وهو أسمى من القوانين الوضعية، لأنه هبة الله سبحانه وتعالى لبني البشر، وأساس استمرار الحياة علي الكرة الأرضية.
وقد أحاط القانون الحياة الإنسانية بالحماية من اللحظات الأولى للإنسان إلى مماته، كما تمتد إلى أعضاء الإنسان، لأن الاعتداء عليها يحمل معنى تعطيل حياة الإنسان جزئيا أو كليا، وآيا كان الاعتداء على حياة الإنسان، فهو محل للتأثيم من قبل القانون سواء تطاول الفعل إلى إزهاق روح أو عاهة أو جرح أو اثر ضار وسواء أكان الفعل عن قصد أو غير قصد، علما بأن الحق في الحياة يشمل السلامة الجسدية والسلامة المعنوية وهي حسن المعاملة وعدم استعمال العنف ضد البشر وعدم سلبهم أو التعرض لشرفهم ودينهم أو معتقداتهم أو تراثهم أو إرهابهم و الغدر بهم أو تعريض سلامتهم للخطر.
وكان من نتائج تزايد الاهتمام بهذا الحق نشوء فرع القانون الدولي لحقوق الإنسان، والمختص بدراسة كافة حقوق الإنسان وقت السلم، وصدرت العديد من المواثيق والاعلانات والاتفاقيات تنص علي حماية الحق في الحياة، أهمها المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 التي نصت علي ( لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه) والمادة الخامسة من ذات الإعلان التي نصت علي ( لا يتعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة).
ونص علي حق الحياة أيضا في المادة السادسة الفقرة الأولي من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م، التي نصت علي ( لكل إنسان الحق الطبيفي في الحياة. ويحمي القانون هذا الحق. ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي.), والمادة السادسة من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والمادة الأولى من الإعلان الدولي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة لعام 1974، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة لعام 1984، والمادة الثالثة من المدونة الخاصة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين 1979م.
وهناك أيضا عدة مواثيق و اتفاقيات إقليمية لحقوق الإنسان والتي فرضت حماية قوية للحق في الحياة، منها الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 1945م المادة الثالثة, وكذلك الميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 1997م في المادة الخامسة, و الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لعام 1979م في المادة الرابعة، و الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لعام 1950م في المادة الثانية الفقرة الأولي بالقسم الأول منها, و الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان الصادر عن منظمة الدول الأمريكية بالقرار رقم (30) الصادر في المؤتمر التاسع للدول الأمريكية عام 1948م في المادة الأولي منه. وتقضي هذه المواد بمجملها بعدم حرمان أي إنسان من حياته بشكل تعسفي، أو تعريضه للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المحاطة بالكرامة.
الخاتمة
تناولنا في الصفحات السابقة قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي كدراسة مقارنة في بندين، الأول خصصناه لقواعد الحرب في الشريعة الإسلامية، و أوردنا رأي أغلب وأهم مفكري الغرب الذين أقروا بأسبقية وفضل الإسلام علي الحضارة الغربية خاصة في مجال القانون الدولي وخاصة قواعد الحرب. أما في البند الثاني فتناولنا قواعد الحرب في القانون الدولي الوضعي المعاصر، ورأينا أن الحرب في القانون الدولي مرت بعدة مراحل من الإباحة المطلقة إلي التقييد ثم إلي الحظر في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، وبينا أن القانون الدولي الوضعي لم يعرف القانون الدولي الإنساني إلا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر من خلال اتفاقيات لاهاي لعام 1899م وعام 1907م ثم اتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكولين الإضافيين لهم لعام 1977م وما تلاها من اتفاقيات في القرنين العشرين وقرننا الحالي.
وبالمقارنة بين قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية وفي القانون الدولي الوضعي يتضح الآتي:
1. قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية أسبق في الظهور وأكمل في القواعد والمبادئ والأحكام منها في القانون الدولي الوضعي, فقد عرفت الشريعة الإسلامية التفرقة بين المقاتلين وغير المقاتلين والأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
2. تمتاز قواعد الحرب في الشريعة الإسلامية بوجود عنصر الإلزام الذي تفتقر إليه قواعد القانون الدولي الوضعي، فهي في الشريعة الإسلامية عبادة يتقرب بها المسلم إلي ربه، أما في القانون الدولي فآليات المتابعة والمراقبة ضعيفة لا تكاد تشعر بها لأنها بيد الدول ولا يلزمها سوي أخلاقيات ورضاء الدول وهو منعدم في العديد من الحالات، مما جعل قواعد القانون الوضعي ورقية أو نظرية أكثر منها عملية بينما الوضع عكس ذلك تماما في الشريعة الإسلامية.
3. عرفت الشريعة الإسلامية الدفاع الشرعي بصورة دقيقة وموضوعية أفضل من القانون الدولي الوضعي.
4. أقر الإسلام قبل القانون الدولي الوضعي ضرورة الأخذ بالوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية.
5. عرف الإسلام الدفاع الشرعي الجماعي قبل القانون الدولي الوضعي, كما عرف الإسلام حقوق الإنسان والتفرقة بينها في زمن النزاعات المسلحة ووقت السلم، وهناك العديد من الوثائق الإسلامية التي تؤكد ذلك.

و مما سبق يتبين مدى الإعجاز العلمي والتقدم التشريعي للشريعة الإسلامية من حيث الصياغة, فتتميز الشريعة الإسلامية عن التشريع الوضعي في كل من الشكل ( الإجراءات) والموضوع (المضمون), أما القواعد الواردة في القانون الدولي المعاصر فقاصرة من حيث المضمون والإجراءات, مما يدحض ادعاءات الغرب في أن الإسلام دين الإرهاب, و يبين أسبقية الإسلام على القانون الدولي الوضعي في تنظيم قواعد الحرب، كما يبين أفضلية الإسلام على القانون الدولي الوضعي من حيث عنصر الإلزام المتمثل في اعتبار قواعد الحرب في الإسلام عبادة نتقرب بها إلى الله، كما أن القانون الاسلامى أعم و أشمل في المفهوم والمضمون, و لذا فهو الصالح لكل زمان و مكان.  


--------------------------------------------------------------------

المراجع :

- الأستاذ/ أنور الجندي، سموم الاستشراق والمستشرقون في العلوم الإسلامية، الطبعة الثانية، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة،1985م،.
المستشار/ علي علي منصور، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1965م.
- الدكتور/ صلاح الدين عامر، مقدمة لدراسة قانون النزاعات المسلحة، دار النهضة العربية، عام 1995م.
- دكتورة/ خديجة النبراوي، موسوعة أصول الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي من نبع السنة الشريفة وهي الخلفاء الراشدين، دار السلام للطبع والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، 2004، الجزء الخامس، ص3094، 3095. (أحكام الجهاد من ص 2831- 3130 نهاية الجزء الخامس يوجد فيه كافة أسانيد الجهاد من الكتاب والسنة وهدي الخلفاء الراشدين).
- راجع للمؤلف كتاب نصوص المواثيق والإعلانات والاتفاقيات لحقوق الإنسان، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة، 2005م.
- الدكتور/ علي يوسف الشكري، حقوق الإنسان في ظل العولمة، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2006م.
- راجع للمؤلف كتاب مستقبل الحروب دراسات ووثائق، دار مصر العربية، القاهرة، 2009م.
- John Dugard, Keynote Address International Law, Israel and Palestine, Conference on Israel and the International Law, Al-Zaytiuna Centre for Studies & Consultations, Beirut- Lebanon, 4- 5 November 2009.

- فضيلة الشيح محمد أبو زهرة، حقوق الأسرى في الإسلام, القاهرة, 2005
- الدكتور/زكريا حسين عزمي, من نظرية الحرب إلى نظرية النزاع المسلح, دراسة في حماية المدنيين في النزاعات المسلحة, رسالة دكتوراه, حقوق القاهرة 1978م.
- الدكتور/رقية عواشرية, حماية المدنيين في النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي, رسالة دكتوراه, حقوق عين شمس 2002م.
- الدكتورة/ أيناس أحمد سامي عبد العظيم الصادق، تطبيق القانون الدولي الإنساني علي المنازعات المسلحة غير الدولية، دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراه كليه الحقوق، جامعة الزقازيق، 2010م.
- الدكتورة/ رنا عطا الله عبد العزيز عطا الله، الدفاع الشرعي الوقائي وفقا لقواعد القانون الدولي العام، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، 2009م، ص:154.
- الدكتور / حمادة محمد سليم، الحرب العادلة في القانون الدولي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، 2009م.
- راجع للمؤلف، نصوص المواثيق والإعلانات والاتفاقيات لحقوق الإنسان، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2005م.
- الدكتور/ علي يوسف الشكري، حقوق الإنسان في ظل العولمة، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، عام 2006م.
- http://kabreet.egypty.com/issue14/article7.asp
- للمؤلف, النظرية العامة للأحلاف العسكرية، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع, القاهرة, الباب الأول, 2005م، رسالة الدكتوراه, حقوق الزقازيق، 2005م.
- وكتاب المؤلف الأحلاف والتكتلات العسكرية وفقا لقواعد القانون الدولي العام، مركز دراسات الوحدة العربية، مارس، 2010م.
          - موقع e3jaz.way2allah



تابع القراءة ←

الغني فقير الى الله

 


قال تعالي "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد" (فاطر: 15)
 الفقر في اللغة هو (العوز والحاجة) والفقير هو (من لا يملك إلا أقل القوت) والغنى في اللغة من (غنى) و(غناء) أي كثر ماله فهو غنى وغنى عن الشيء لم يحتج إليه وفى هذه الأيام فى كثير من الدول من يملك 1-3 دولار يوميا فهو فقير.
قال القرطبي (أي محتاجون إليه في بقائكم وكل أحوالكم. و قد عرف الفقراء ليريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه). و قال الشوكاني (أي المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق وهو الغني على الإطلاق). و قال إبن عاشور في التحرير و التنوير (قدم الله فقرهم علي غناه لأن ذلك أدخل للذلة على عظمتهم من الشعور بأن الله غني عنهم فإنهم يوقنون بأنهم الفقراء إلى الله ولكنهم لا يعملون بذلك, فأريد إبلاغ ذلك إليهم لا على وجه الاستدلال ولكن على وجه قرع أسماعهم بما لم تكن تقرع من قبل عسى أن يستفيقوا من غفلتهم).
مما سبق يتبين أن الإنسان, كل إنسان فقير إلي الله في كل حال من أحواله, في دينه و دنياه, فقير إلي الله ليهديه إلي الدين الحق فلولا الله ما اهتدينا و لا صُمنا و لا صلينا, كما أنه فقير إلي الله في دنياه من قبل أن يراها, فلولا الله ما رآها و لا أتي إليها فقد كان مخفيا في أصلاب الآباء و بطون الأمهات لا حول له و لا قوة و لا يعلم أن له وجود أو أن لدنياه وجود, فأنعم الله عليه بغناه فأخرجه من الغيب إلي الوجود, و أعطاه في رحم أمه من الأعضاء ما يغنيه في دنياه عن سؤال غيره أن يقضي له حاجاته, فلو شاء الغني لم يعطه البصر فيحتاج إلي من يقوده في طريقه. و بعد المولد يستمر فقر الإنسان إلي خالقه, فهو فقير إلي ربه كي يبقي أبويه لرعايته, و لو شاء الله لحرمه الأبوين, و فقير إلي ربه في نمو جسده و اشتداد عضده, و لو شاء الله لأمرضه, و فقير إلي ربه ليحفظ عليه عقله و حواسه التي بها يتعلم كل ما حوله و لو شاء الله لحرمه العقل و لجعله مجنونا أو جاهلا, و فقير إلي ربه ليهب له الولد و لو شاء لجعله عقيم, و فقير إلي الله في الماء الذي يشربه و الطعام الذي يأكله, و الأرض التي يعيش عليها و السماء التي تظله, و الشمس التي يستنير بضوئها, و الظل الذي يحميه من حرها, و الملبس الذي يستدفأ به في غيابها, و النار التي تنضج طعامه و تنير ليله, و تذهب برده, فسبحان من أعطي الإنسان من نعمه التي لا تعد و لا تحصي, و لو شاء لحرمه و لن يجد من دون الله من هو في غناه ليعطيه.

و من العجيب أن الإنسان بعد كل هذا العطاء الوفير لا يري من النعم إلا المال, فيقيس به الفقر و الغنى, حتى ظن الناس أن الغني غير فقير, فكيف يكون فقيرا و هو قادر علي شراء كل ما يريد, و تناسي الناس أن عطاء الله الغني غير محصور في المال, و أن الغني مهما جمع من الدنيا فهو بالفعل فقير إلي غنى الله فكيف ذلك؟

من المعلوم أن الأثرياء أو شديدي الثراء أو المليارديرات معروفون على مستوى العالم بالاسم وبمقدار الثروة ويعلنون عن ثرواتهم ويتباهون بذلك وإذا نحن تركنا الأفراد وانتقلنا إلى الدول فإن كثيرا منها تحتفظ في بنوكها بأرصدة كبيرة من سبائك الذهب لتضمن عملتها الورقية فالولايات المتحدة حسب إحصائية مارس 2009 تحتفظ بمقدار 8133.5 طن من الذهب ويحتفظ صندوق النقد الدولي بحوالي 3217.2 طن من الذهب بينما يبلغ احتياطي بنوك العالم أجمع من الذهب 30145.7طن. وإذا جمعنا هذه الثروة من الذهب مع كل ثروات العملات الورقية والبترول والمعادن وثروات كل الأنشطة البشرية من تجارة وزراعة وصناعة وخدمات وخلافه فإن كل هذه الثروات نجدها تمثل جزءا فقط من ثروات الماء واليابسة على الأرض وهى موزعة بين البشر إذ لا يملكها فرد واحد بل إن كل البشر مجتمعين مازالوا لا يملكون كل ثروات الأرض وإذا جمعنا إلى ثرواتهم هذه ما يدعى بعضهم من ملكيته أجزاء من القمر يضعون عليها لافتات ملكية فإن كل ملكية البشر أجمعين لا تتعدى جزاء من الأرض وجزءا من القمر. وإذا نحن تفكرنا فى ما نعلمه من ملكية الله سبحانه وتعالى فنجدها تشمل:
- كل الأرض وما عليها من ثروات بما فيها كل الكائنات حيث هو الذى خلقها.
- القمر وهو تابع للأرض.
- الشمس ومجموعتها كلها وهى وحدها تمثل مليون مرة مثل حجم الأرض وهى نجم عبارة عن مفاعل نووي درجة حرارة قلبه حوالي 15 مليون درجة وسطحه 6000 درجة ويمد المجموعة الشمسية بطاقة تقدر وزنا بحوالي 5 مليون طن في الثانية الواحدة منذ حوالي عشرة بلايين سنة.
- مجرة سكة التبانة (الطريق اللبني) (درب التبانة) و التي تتبعها مجموعتنا الشمسية وتضم أكثر من مليون مليون (ترليون) نجم مثل شمسنا ويقدر وزن كتلة هذه المجرة بحوالى 230 بليون مرة قدر كتلة الشمس (كتلة الشمس حوالى 2000 مليون مليون مليون مليون طن).
- المجموعات المحلية من المجرات (Local galactic groups) حيث تتجمع عشرات المجرات لتكوين المجرات المحلية.
- التجمعات المجرية (Galactic clusters): وتضم من عشرات إلى آلاف المجرات.
- المجموعات المحلية العظمى (Galactic superclusters): وهى مجموعات أكبر من التجمعات المجرية.
- التجمعات المجرية العظمى (Clusters of galactic superclusters) وتشمل تجمعا أكثر من المجموعات السابقة.
- تجمعات التجمعات المجرية العظمى: وتشمل تجمعات أكبر من التجمعات السابقة وكل ذلك لم يتم اكتشافه إلا بعد التقدم الهائل فى علوم الفلك.
- و كل ما سبق موجود في السماء الدنيا, فكيف بباقي السموات السبع و ما تحويه من موجودات لا يحصيها إلا الله
- و ما السموات السبع و الأراضين السبع إلا كحلقة في فلاة بالنسبة إلي الكرسي, فكم من الحلقات يكفي لملأ هذه الفلاة, إنها عوالم لا يحصيها إلا الله, و كلها قليل في ملك الله.




 فكيف بالله عليك يا عبد الله تعتبر أغني أغنياء العالم ليس بفقير إلي الله, فلو استخدمنا علوم الإحصاء في مقارنة ملك هذا الغني بملك الله لما كانت هناك نسبة تذكر, و إن شئت قلت صفر إلي ما لا نهاية. و لو أنصفنا لما قارنا ملك هذا الغني بملك الله, فهذا الغني لو حبس بالصحراء حيث لا زرع و لا ماء و أصابه العطش لربما دفع نصف ملكه ثمنا لشربة ماء, و لو حبس الماء في بطنه فأعياه لربما دفع النصف الآخر ليتخلص مما أعياه.
و في الحديث القدسي يقول الرب العلي علي لسان نبيه المصطفي صلي الله عليه و سلم (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" رواه مسلم. وأوجه الإعجاز فى هذه الآية الكريمة متعددة منها:
1- أن الخطاب موجه إلى كل البشر في كلمة (الناس) وليس للمؤمنين فقط إذ قد يكون هناك أثرياء كثيرين من الكفار دون المسلمين.
2- تأكد الفقر والعوز للناس فمع تقدم علوم الإحصاء وتقدم وسائل الإعلام تم حصر الفقراء والأغنياء فمثلا عدد الجياع في العالم إحصاء أكتوبر 2009 قد تعدى المليار نسمة أي ثلث سكان الأرض.
3- تأكيد أنه هناك أغنياء في البشر ولكنهم نسبيا إلى الله سبحانه وتعالى في قوله (إلى الله) فهم فقراء إذ كل ثرواتهم لا تتعدى جزءا فقط من الأرض أو القمر ولا تقارن بما سبق إيضاحه من جزء من ملكية الله تعالى.
4- بيان الغنى الذي يعجز البشر عن وصفه لله سبحانه في قوله (والله هو الغنى الحميد) إذ كل ما تم ذكره ما هو إلا جزء يسير لا يزيد عن 10% من الجزء من السماء الدنيا و التي تبعد عنا بمسافة 23 بليون سنة ضوئية وطول السنة الضوئية 9.5 مليون مليون كم ويحتوى هذا الجزء ما بين 200-300 بليون مجرة تتحرك بسرعات هائلة فى مساحات شاسعة تفوق الخيال وصدق من قال فى كتابه الكريم منذ أكثر من 1400 عام في سورة فاطر "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد" (آية 15).
  -----------------------------------------------
  المصادر :
موقع e3jaz.way2allah
 أ.د. صلاح الدين عبد الحكيم محمد خلف 
  أستاذ جراحة القلب و الصدر - كلية طب - جامعة المنصورة - مصر

تابع القراءة ←

هذا خلق الله .. سمكة ذات رأس شفاف !


 (السمكة الغريبة Macropinna microstoma ويظهر في الصورة تلك القبة الخضراء الشفافة والعينين داخلها على شكل خوذات بلون أخضر، أما مراكز الشم فهي تلك النقطتين فوق منطقة الفم مباشرة) 


يقول الحق تعالى ((هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )) لقمان الآية 11
في متابعة لآخر المستجدات والاكتشافات العلمية، طالعتنا مؤخرا العديد من المواقع العلمية الغربية باكتشاف عظيم وعجيب من قلب عالم المحيطات، والأمر يتعلق باكتشاف نوع غريب من السمك ذا رأس شفاف، وعينان على شكل خوذات خضراء يتواجدان في قلب هذا الرأس ( انظر الصورة )، والسمكة المكتشفة يطلق عليها علميا اسم Macropinna microstoma .
لقد كان الفريق العلمي المتخصص في اكتشاف هذا العالم – عالم أعماق المحيطات –Abysses - في متابعة دائمة وشغف علمي كبير لمعرفة المزيد من أسراره، ومؤخرا قام معهد البحوث المائية في خليج مونتري بكاليفورنيا، تحت إشراف العالمان والباحثان (B. Robison et K. Reisenbichler)، باكتشاف المزيد من أسرار هذه النوع من الكائنات، وذلك حين استطاعوا تصوير هذه السمكة وتتبع طريقة عيشها وكيف تستطيع الرؤية في عمق 700 متر داخل أعماق المحيطات .
ففصيلة هذا الحيوان كانت قد عرفت لأول مرة سنة 1939، ولكن العلماء كانوا يظنون لفترة طويلة أن عيني هذه السمكة ثابتتان لا تسمحان لها بالنظر إلا لأعلى،ولا توفر أي زاوية رؤيا جيدة، ولا سيما أنها تعيش في أعماق المحيطات المظلم، والأدهى من ذلك كان العلماء يستغربون كيف يمكن لهذه السمكة اصطياد فريستها وطعامها وعيناها بتلك الطريقة التي لا ترى إلا لأعلى !؟ وفمها صغير الحجم بشكل لا يسمح لها بأي وسيلة أخرى !؟
دامت هذه الحيرة فترة طوية حتى اكتشف الفريق العلمي (B. Robison et K. Reisenbichler )، واستطاع تصوير هذه السمكة الغربية المنتمية إلى ذلك العالم، فالتصوير كان دقيقا ( انظر شريط الفيديو)- Video of Macropinna microstoma -، سمح لهم بمعرفة واكتشاف أسرار مبهرة في تكوين هذه السمكة، فلقد اكتشفوا أولا أن لها رأس شفاف(نوع من القبة الشفافة في الجزء العلوي من الجمجمة ) تستطيع من خلاله الرؤيا، كما أن عيناها لم تكونا ثابتتين كما كان يظن العلماء، بل متحركان وعلى شكل خوذات خضراء، تستطيع أن تنظر بهم من كل الجهات من خلال تلك القبة الشفافة، التي تمتلئ بسائل أخضر غريب وشفاف أيضا !

وكخلاصة:
يعلق العلماء أن هذه السمكة وهذا الاكتشاف يعد ظاهرة من الظواهر العلمية والبيئية الغريبة والنادرة، فهي من المخلوقات التي استطاعت أن تتكيف مع بيئتها بشكل كبير ومدهش.
ونحن نقول ويستوقفنا قول الحق تعالى في كتابه الكريم- يقول الحق تعالى ((قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )) طه الآية 50
ويقول ربة العزة تعالى ((هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )) لقمان الآية 11
فهذه سمكة زودها الحق تعالى بكل ما تحتاجه من وظائف التي تتلاءم وشكلها ومكان عيشها، لكي تستطيع التعايش والعيش في قلب تلك المحيطات، والتقاط رزقها، والدود عن نفسها في ساحة البقاء وباقي المخلوقات .
فهذا خلق الله العظيم، الخالق و المدبر كل شيء، الله جل حلاله، فلله الكبرياء وله مراجع الأمور في الخلق والحياة والموت والقيامة والرجوع .
يقول الشاعر العباسي أبو العتاهية:
فيا عجباً كيف يعصى الإله .... أم كيف يجحده الجاحدُ
وفي كل شيء له آية        ....... تدل على أنه واحد!
لمشاهدة شريط فيديو السمكة الغريبة
تابع القراءة ←

هل العلم الان قليل ؟


العلم من الأدوات المهمة التي أعطاها الله للإنسان ليرقى بها في الدنيا, وليتعرف بها على ربه وخالقه فيرقى بها في الآخرة, وللعلم مناحي كثيرة فهناك العلوم الغيبية التي تأتى بها الرسالات السماوية و التي تتكلم عن أسماء وصفات الخالق العظيم وصفات الملائكة والجن والروح والجنة والنار والحساب وما شابه ذلك. وهناك العلوم الكونية التي تختص بالأرض والشمس والكواكب والنجوم والأجرام السماوية وخواص المادة والضوء والصوت وما شابه ذلك ويمكن معرفة الكثير منها بالحسابات المعروفة وقوانين الطاقة والمادة وهناك العلوم الإنسانية والفلسفة والمنطق, و غيرها الكثير.
وقد سجلت قاعدة بيانات SCOPUS عدد 2946 بحثا متميزا في عام 2000 بينما ازداد العدد إلى 5545 في عام 2008 بينما ارتفع إلى 77651 بحثا في عام 2009. وبينما كانت عدد الدول المشتركة في شبكة المعلومات الدولية قليلا وقت إنشائها فإنه قد ارتفع ليصل إلى 233 دولة تضيف رصيدها العلمي اليومي إليها في زيادة مضطردة. بل إن الدول تتباهى باستعمال رصد المؤشر H-index في قائمة النشر للأبحاث العلمية المتميزة وتتصدر ذلك الولايات المتحدة بمؤشر قيمته 891 درجة (مما يعنى 3652547 بحثا متميزا) تليها انجلترا بمؤشر قيمته 538 درجة بينما القيمة البحثية لمصر 76 درجة (مما يعنى أن مصر هي الخمسين على مستوى العالم في البحث العلمي).
و بعد كل ما سبق نقرأ في كتاب ربنا حتى يومنا هذا و إلي قيام الساعة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" 85 الإسراء, و قد نزلت هذه الآية منذ أكثر من 14 قرنا من الزمان في وقت كان العلم بالفعل قليل, فلم يكن بمقدور أحد أن يعترض علي أن علمه و علم أهل زمانه كلهم قليل, و بمُضي الزمان حتى وصلنا إلي زماننا الحالي الذي اتسع فيه العلم و تشعبت فروعه, و تراكمت أبحاثه في كل المجالات التي خطرت و التي لم تخطر علي البال, فجاب الإنسان معظم الأرض دراسةً و تعميراً, و دخل في أعماقها و غاص في بحارها, و انطلق في الفضاء و صار يأتي بالعلم من علي بعد مليارات السنوات الضوئية, فتراكمت المعارف بشكل مذهل يفوق قدرات العقل البشري علي التصور, فكان لابد من سؤال هام, هل مازال العلم قليلاً في زماننا حتى يخاطبنا الله بقوله "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" 85 الإسراء.
يقول الطبري في تفسيره بأن هناك خلاف حول المخاطبين بهذه الآية, فهناك من يقول بان الآية تخاطب أهل زمان النبي صلي الله عليه و سلم فقط, و هناك من يقول بأنها عامة لكل زمان, و هو ما انتصر له الطبري و غيره الكثير من المفسرين لأن خطاب العموم (و ما أوتيتم) في الآية واضح أنه لكل زمان.
يقول ابن كثير في تفسيره لهذا الآية الكريمة (أي وما اطلعتم عليه من علم إلا على القليل فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى والمعنى أن علمكم في علم الله قليل). وفى قصة موسى عليه السلام والخضر عليه السلام (أن الخضر نظر إلى عصفور على حافة السفينة فنقر فى البحر نقرة أي شرب منه بمنقاره فقال يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق فى علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من البحر).
و من الملفت للنظر أن الله خاطب عموم البشر فقال (و ما أوتيتم من العلم) و لم يخاطب الفرد فيقول (و ما أوتيت من العلم) مع أنها قد تكون صحيحة في كل زمان إلي قيام الساعة, لأن علم أي إنسان بمفرده مهما بلغ قليل إلي علوم الآخرين, و لا يساوي حتى ما يشربه عصفور من النهر!, و يكفي أن تنظر إلي مكتبة بيتك لتتحقق من قولي, فلو كنت تملك غرفة مليئة بالكتب فسوف تشعر أمامها بالعجز العلمي, فكل هذا علم أنت لا تعرف منه إلا القليل, و ليس أمامك في العمر الكثير لتعرفه و مهما طال الأجل فهو قصير, و مكتبتك هذه مكتبة صغيرة إذا قورنت بالمكتبات العامة, و لذا فمهما عرفت من أي علم فهو ضئيل. ولما سئل العالم الإنجليزي الكبير نيوتن عن مدى علمه فقال (مثل ظلطة ملونة على شاطئ المحيط). ولما سئل العالم الألماني أينشتاين قال (إن علمه لا يعدو أن يكون طابع بريد ألصقوه في مسلة فرعونية), ولما سئل الفيلسوف الفارسي السعدي قال (لا تنظر إلى الشمس يكفي أنك تعيش على القليل من نورها.. فما بالك بنور الله!).
فالله سبحانه وتعالى يعطى من العلم من يشاء بالقدر الذي يشاء في الوقت الذي يشاء. والإعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة أن العلم الهائل الذي تم تحصيله إلى اليوم كان غائبا عن الناس سابقا وأن العلم كلما ازداد كلما كان ذلك اعترافا بالنقص في العلم البشرى قبل اكتشافه, وأن هذا النقص سيستمر إلى قيام الساعة, و العلم كلما تقدم أثبت لأهله بأن الجهل في زيادة مستمرة بدرجة تفوق العلم الذي وصلوا إليه, فكل معلومة نكتسبها تطرح علي العقول العديد من الأسئلة التي تحتاج إلي بحوث علمية تستغرق سنوات و ربما وصلنا إلي إجابة و ربما لم نصل, فيكون الذي نحصله من العلوم باستمرار أقل مما هو مطروح من أسئلة تحتاج إلي أجوبة, و لهذا يقول جوي بول (معلوماتنا كقطر في دائرة، فكلما اتسع القطر يتسع المحيط أضعافاً، لعل الأجيال القادمة تستطيع أن تتقدم في أعمالها العلمية وتكتشف أسرارًا جديدة عن الكائنات، لكنه من المؤسف جدّاً فينبغي أن نقاوم غرورنا ونعترف بأننا لا نعلم شيئاً عن أسرار الخلقة وعن سر الوجود، فرموز الحياة والموت وفلسفة الخلق وأشياء كثيرة أخرى ألغاز قد لا يكشف عنها العلم في القريب العاجل).
و هذه الآية أتت في سياق الكلام عن الروح التي نحيا بها "وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُيتم مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا", و منذ عهد النبي صلي الله عليه و سلم و معرفة كنه الروح و أسرارها أمل يراود الكثير من العلماء, و مع ذلك فقد ظلت حتى يومنا هذا غيب لا ندرك حقيقته بكل ما أوتينا من علم, و لا نعرف عنها إلا أثرها من الإحياء و الإماتة. و إذا تركنا الروح و انطلقنا في عالم الجسد نجد الجهل الفاضح في كل الاتجاهات فكم من مرضٍ عجز الطب عن شفائه, و فهم كيفية حدوثه, و أمام القلب و العقل و النفس يقف العلم حائراً لم يصل إلي الشيء الكثير في مجال كشف وفهم الطريقة التي يؤدى بها كل منهم عمله، و كيف يحدث ربط بينهم بحيث يكون الإنسان وحدة متكاملة لا خلل فيها, فالأمور التي لم يتوصل الطب إلي إدراكها أكثر من تلك التي تم التوصل إليها حتى وقتنا هذا.
و إذا سألنا عن إحصاء دقيق لكل الكائنات الحية التي تعيش علي الأرض و تحت التراب, و في الجو و البحار و الأنهار و المحيطات, و لو سألت عن كل كائن و تفصيل معيشته و كيف يرزقه رب العالمين, و لو سألت عن عدد قطرات المطر و حبات الرمال في الصحراء و أوراق الأشجار و الأزهار و عن الأنفس متى تولد و متى تموت, و ما يحدث لها بين المولد و الإماتة, و غيرها الكثير من الأسئلة التي لا تجد مُجيب, و لو وجدت مجيب لما أجابك إلا بالقليل, و صدق الله إذ يقول {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }الأنعام59.
و إذا تركنا الإنسان بأرضه و توجهنا إلي فضاء كونه نري أبعاداً لا يحصيها العلم تثبت أنه كلما تقدم العلم وتطورت الاكتشافات الكونية أدرك العلماء ضعفهم وعجزهم أمام عظمة الكون، وأدركوا جهلهم بأسراره وعجائبه, فعلماء الكون يعترفون بأن علمهم محدود فما وصلوا إليه من تقدم لم يكشف أكثر من 5% من أسرار هذا الكون العجيب, فهناك كواكب و مجرات كثيرة لم يكتشفها الإنسان، و لم يصل العلم بعد إلي حواف الكون المنظور, فكيف بما وراءه من عوالم و أكوان, و سُكان لا يعلمهم إلا رب العالمين, و العلم لا يقدم لنا حول نشأة الكون ومن خلق الوجود ولماذا خُلق الكون وهل توجد كائنات حية أخرى؟ إلا العديد من الأسئلة التي لا تجد إجابات.
إن اعتراف العلماء بقلة معلوماتهم عن الكون رغم التطور الهائل الذي شهده العصر الحديث، يعني أن الله تبارك وتعالى لا يسمح لأحد من خلقه أن يحيط بشيء من العلم إلا بإذنه، ولذلك قال تعالى (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) 255 البقرة, ومهما تطور العلم سيبقى علم العلماء محدوداً وقليلاً، فينبغي علي كل إنسان أن يعترف بجهله، وأن لا يكابر في دعوى العلم لأنه غاية الجهل كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه (من ادعى من العلم غايته فقد أظهر من جهله نهايته), فالإعترف بالجهل هو بداية طريق العلم, حتى تحصل على ما تجهله، وتدرك ما لم تعرفه ، و تذكر دوماً قول الله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) 85 الإسراء, حتى تعرف الحجم الطبيعي لعلومنا أمام علم الله المحيط الشامل الذي قال عن نفسه {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } الطلاق12, و قال أيضاً{لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} الجن28. 
أستاذ جراحة القلب و الصدر - كلية طب - جامعة المنصورة - مصر
تابع القراءة ←
;