الخميس، 4 يوليو 2013

تفسير القرآن للطبري ( الفاتحه )

  
سُورة الفـاتِـحَةِ
مكِيّة وآياتها سَبْع
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}
القول فـي تأويـل بِسْمِ.
قال أبو جعفر: إن الله تعالـى ذكره وتقدست أسماؤه، أدّب نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلّم بتعلـيـمه تقديـم ذكر أسمائه الـحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدم إلـيه فـي وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلـمه إياه منه لـجميع خـلقه سنةً يستنون بها، وسبـيلاً يتبعونه علـيها، فـي افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم حتـى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل «بسم الله»، علـى ما بطن من مراده الذي هو مـحذوف. وذلك أن البـاء من «بسم الله» مقتضيةٌ فعلاً يكون لها جالبـا، ولا فعل معها ظاهر، فأغنت سامع القائل «بسم الله» معرفته بـمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولاً، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به، إما معه وإما قبله بلا فصل، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة علـى الذي من أجله افتتـح قـيـله به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظير استغنائه إذا سمع قائلاً قـيـل له: ما أكلت الـيوم؟ فقال: طعاما، عن أن يكرّر الـمسؤول مع قوله «طعاما» أكلت لـما قد ظهر لديه من الدلالة علـى أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال: «بِسم الله الرحمن الرحيـم» ثم افتتـح تالـيا سورة، أن إتبـاعه «بسم الله الرحمن الرحيـم» تلاوةَ السورة، ينبىء عن معنى قوله: «بسم الله الرحمن الرحيـم» ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأُ بسم الله الرحمن الرحيـم.
وكذلك قوله: «بسم الله» عند نهوضه للقـيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبىء عن معنى مراده بقوله «بسم الله»، وأنه أراد بقـيـله «بسم الله»: أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، هو معنى قول ابن عبـاس، الذي:
حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: إن أول ما نزل به جبريـل علـى مـحمد، قال: يا مـحمد، قل أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ قال: قال له جبريـل: قل بسم الله يا مـحمد. يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويـل قوله «بسم الله» ما وصفت، والـجالب «البـاء» فـي «بسم الله» ما ذكرت، فكيف قـيـل «بسم الله»، بـمعنى «اقرأ بسم الله»، أو «أقوم أو أقعد بسم الله»؟ وقد علـمت أن كل قارىء كتاب الله، فبعون الله وتوفـيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فـاعل فعلاً، فبـالله قـيامُه وقعوده وفعله؟ وهلاّ إذا كان ذلك كذلك، قـيـل: «بالله الرحمن الرحيـم»، ولـم يقل «بسم الله» فإن قول القائل: أقوم وأقعد بـالله الرحمن الرحيـم، أو أقرأ بـالله، أوضح معنى لسامعه من قوله «بسم الله»، إذ كان قوله أقوم وأقعد بسم الله، يوهم سامعه أن قـيامه وقعوده بـمعنى غير الله.



{الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
قال أبو جعفر: معنى: الـحَمْدُ لِلَّهِ: الشكر خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعْبَد من دونه، ودون كل ما برأ من خـلقه، بـما أنعم علـى عبـاده من النعم التـي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد، فـي تصحيح الآلات لطاعته، وتـمكين جوارح أجسام الـمكلفـين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم فـي دنـياهم من الرزق وغذاهم به من نعيـم العيش من غير استـحقاق منهم لذلك علـيه، ومع ما نبههم علـيه ودعاهم إلـيه من الأسبـاب الـمؤدية إلـى دوام الـخـلود فـي دار الـمقام فـي النعيـم الـمقـيـم. فلربنا الـحمد علـى ذلك كله أولاً وآخرا.
وبـما ذكرنا من تأويـل قول ربنا جل ذكره وتقدست أسماؤه: الـحَمْدُ لِلَّهِ جاء الـخبر عن ابن عبـاس وغيره:
حدثنا مـحمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: قال جبريـل لـمـحمد: «قل يا مـحمد: الـحمد لله».
قال ابن عبـاس: الـحمد لله: هو الشكر، والاستـخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك.
وحدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي، قال: حدثنا بقـية بن الولـيد، قال: حدثنـي عيسى بن إبراهيـم، عن موسى بن أبـي حبـيب، عن الـحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال النبـي صلى الله عليه وسلّم: «إذَا قُلْتَ الـحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العَالـمِينَ، فَقَدْ شَكَرْتَ اللَّهَ فَزَادَكَ».
قال: وقد قـيـل إن قول القائل: الـحَمْدُ لِلَّهِ ثناء علـى الله بأسمائه وصفـاته الـحسنى، وقوله: «الشكر لله» ثناء علـيه بنعمه وأياديه.
وقد رُوي عن كعب الأحبـار أنه قال: الـحمد لله ثناء علـى الله. ولـم يبـين فـي الرواية عنه من أيّ معنـى الثناء الذي ذكرنا ذلك.
حدثنا يونس بن عبد الأعلـى الصدفـي، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثنـي عمر بن مـحمد، عن سهيـل بن أبـي صالـح، عن أبـيه، قال: أخبرنـي السلولـي، عن كعب قال: من قال: «الـحمد لله» فذلك ثناء علـى الله.
وحدثنـي علـيّ بن الـحسن الـخراز، قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن الـجرمي، قال: حدثنا مـحمد بن مصعب القرقسانـي، عن مبـارك بن فضالة، عن الـحسن، عن الأسود بن سريع، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لَـيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَـيْهِ الـحَمْدُ مِنَ اللَّهِ تَعالـى، ولِذَلِكَ أَثْنَى علـى نَفْسِهِ فَقالَ: الـحَمْدُ لِلَّهِ».



{الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}
قال أبو جعفر: قد مضى البـيان عن تأويـل قوله «الرحمن الرحيـم»، فـي تأويـل «بسم الله الرحمن الرحيـم»، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع. ولـم يحتـج إلـى الإبـانة عن وجه تكرير الله ذلك فـي هذا الـموضع، إذ كنا لا نرى أن «بسم الله الرحمن الرحيـم» من فـاتـحة الكتاب آية، فـيكون علـينا لسائلٍ مسألة بأن يقول: ما وجه تكرير ذلك فـي هذا الـموضع، وقد مضى وصف الله عزّ وجلّ به نفسه فـي قوله «بسم الله الرحمن الرحيـم»، مع قرب مكان إحدى الآيتـين من الآخرى ومـجاورتها لصاحبتها؟ بل ذلك لنا حجة علـى خطأ دعوى من ادعى أن بسم الله الرحمن الرحيـم من فـاتـحة الكتاب آية، إذ لو كان ذلك كذلك لكان ذلك إعادة آية بـمعنى واحد ولفظ واحد مرتـين من غير فصل يفصل بـينهما. وغير موجود فـي شيء من كتاب الله آيتان متـجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد ومعنى واحد، لا فصل بـينهما من كلام يخالف معناه معناهما، وإنـما يأتـي بتكرير آية بكمالها فـي السورة الواحدة، مع فصول تفصل بـين ذلك، وكلام يُعترض به بغير معنى الآيات الـمكرّرات أو غير ألفـاظها، ولا فـاصل بـين قول الله تبـارك وتعالـى اسمه «الرحمن الرحيـم» من «بسم الله الرحمن الرحيـم»، وقول الله: «الرحمن الرحيـم»، من «الـحمد لله رب العالـمين».
فإن قال قائل: فإن «الـحمد لله رب العالـمين» فـاصل بـين ذلك. قـيـل: قد أنكر ذلك جماعةٌ من أهل التأويـل، وقالوا: إن ذلك من الـموخَّر الذي معناه التقديـم، وإنـما هو: الـحمد لله الرحمن الرحيـم رب العالـمين ملك يوم الدين. واستشهدوا علـى صحة ما ادّعوا من ذلك بقوله: «مَلِكِ يَوْم الدّين» فقالوا: إن قوله: «ملك يوم الدين» تعلـيـم من الله عبده أن يصفه بـالـمُلْك فـي قراءة من قرأ مَلِك، وبـالـمِلْك فـي قراءة من قرأ «مالك».
قالوا: فـالذي هو أولـى أن يكون مـحاور وَصْفه بـالـمُلْك أو الـمِلْك ما كان نظير ذلك من الوصف، وذلك هو قوله «رَبّ العالـمين»، الذي هو خبر عن ملكه جميع أجناس الـخـلق، وأن يكون مـجاور وصفه بـالعظمة والألوهة ما كان له نظيرا فـي الـمعنى من الثناء علـيه، وذلك قوله: الرَّحْمَنِ الرَّحيـم. فزعموا أن ذلك لهم دلـيـل علـى أن قوله «الرحمن الرحيـم» بـمعنى التقديـم قبل «رب العالـمين»، وإن كان فـي الظاهر مؤخرا. وقالوا: في نظائر ذلك من التقديـم الذي هو بـمعنى التأخير والـمؤخر الذي هو بـمعنى التقديـم فـي كلام العرب أفشى وفـي منطقها أكثر من أن يحصى .



{مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
قال أبو جعفر: القراء مختلفون فـي تلاوة «ملك يوم الدين»، فبعضهم يتلوه: «مَلِكِ يوم الدين»، وبعضهم يتلوه: مالك يوم الدين وبعضهم يتلوه: مالِكَ يوم الدين بنصف الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه فـي ذلك قراءةٌ فـي «كتاب القراءات»، وأخبرنا بـالذي نـختار من القراءة فـيه، والعلة الـموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فـيه، فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع، إذ كان الذي قصدنا له فـي كتابنا هذا البـيانَ عن وجوه تأويـل آي القرآن دون وجوه قراءتها.
ولا خلاف بـين جميع أهل الـمعرفة بلغات العرب، أن الـمَلِكَ من «الـمُلْك» مشتقّ، وأن الـمالك من «الـمِلْك» مأخوذ. فتأويـل قراءة من قرأ ذلك: مَالِكِ يَوْمِ الدّين أن لله الـملك يوم الدين خالصا دون جميع خـلقه الذين كانوا قبل ذلك فـي الدنـيا ملوكا جبـابرة ينازعونه الـمُلْك ويدافعونه الانفراد بـالكبرياء والعظمة والسلطان والـجبرية. فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذلة، وأن له دونهم ودون غيرهم الـمُلْك والكبرياء والعزّة والبهاء، كما قال جل ذكره وتقدست أسماؤه فـي تنزيـله: يَوْمَ هُمْ بَـارزُونَ لاَ يَخْفَـى علـى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِـمَنِ الـمُلْكُ الـيَوْمَ لِلَّهِ الوَاحدِ القَهَّارِ فأخبر تعالـى أنه الـمنفرد يومئذٍ بـالـمُلْك دون ملوك الدنـيا الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلـى ذلة وصَغَار، ومن دنـياهم فـي الـمعاد إلـى خسار.
وأما تأويـل قراءة من قرأ: مالكِ يَوْمِ الدّينِ، فما:
حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس: مالكِ يَوْمِ الدّينِ يقول: لا يـملك أحد فـي ذلك الـيوم معه حكما كملكهم فـي الدنـيا. ثم قال: لاَ يَتَكَلَّـمُيَتَكَلَّـمُونَ إِلاَّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوَابـا، وقال: وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ للرَّحْمَنِ، وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِـمَنِ ارْتَضَى.
قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين بـالآية وأصحّ القراءتـين فـي التلاوة عندي التأويـل الأول وهي قراءة من قرأ «مَلِك» بـمعنى «الـمُلْك» لأن فـي الإقرار له بـالانفراد بـالـملك إيجابـا لانفراده بـالـملك وفضيـلة زيادة الـملك علـى الـمالك، إذ كان معلوما أن لا ملِك إلا وهو مالك، وقد يكون الـمالك لا مَلِكا.



{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ: لك اللهم نـخشع، ونذلّ، ونستكين، إقرارا لك يا ربنا بـالربوبـية لا لغيرك. كما:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس، قال: قال جبريـل لـمـحمد صلى الله عليه وسلّم: قل يا مـحمد: إياك نعبد، إياك نوحد ونـخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك.
وذلك من قول ابن عبـاس بـمعنى ما قلنا، وإنـما اخترنا البـيان عن تأويـله بأنه بـمعنى نـخشع، ونذل، ونستكين، دون البـيان عنه بأنه بـمعنى نرجو ونـخاف، وإن كان الرجاء والـخوف لا يكونان إلا مع ذلة لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلّة، وأنها تسمي الطريقَ الـمُذَلَّل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة: مُعَبَّدا. ومن ذلك قول طَرَفة بن العبد:
تُبـارِي عِتَاقا ناجياتٍ وأتْبَعَتْ
وَظِيفـا وَظِيفـا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
يعنـي بـالـمَوْر: الطريق، وبـالـمعبَّد: الـمذلّل الـموطوء. ومن ذلك قـيـل للبعير الـمذلل بـالركوب فـي الـحوائج: مُعَبَّد، ومنه سمي العبد عبدا لذلّته لـمولاه. والشواهد من أشعار العرب وكلامها علـى ذلك أكثر من أن تـحصى، وفـيـما ذكرناه كفـاية لـمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالـى.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإيَّاك ربنا نستعين علـى عبـادتنا إياك وطاعتنا لك وفـي أمورنا كلها لا أحداً سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين فـي أموره معبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونـحن بك نستعين فـي جميع أمورنا مخـلصين لك العبـادة. كالذي:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنـي بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق،  عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: إياك: نستعين علـى طاعتك وعلـى أمورنا كلها.
فإن قال قائل: وما معنى أمر الله عبـاده بأن يسألوه الـمعونة علـى طاعته؟ أوَ جائز وقد أمرهم بطاعته أن لا يعينهم علـيها؟ أم هل يقول قائل لربه: إياك نستعين علـى طاعتك، إلا وهو علـى قوله ذلك معان، وذلك هو الطاعة، فما وجه مسألة العبد ربه ما قد أعطاه إياه؟ قـيـل: إن تأويـل ذلك علـى غير الوجه الذي ذهبت إلـيه وإنـما الداعي ربه من الـمؤمنـين أن يعينه علـى طاعته إياه، داعٍ أن يعينه فـيـما بقـي من عمره علـى ما كلفه من طاعته، دون ما قد تَقَضَّى ومضى من أعماله الصالـحة فـيـما خلا من عمره. وجازت مسألة العبد ربَّه ذلك لأن إعطاء الله عبده ذلك مع تـمكينه جوارحه لأداء ما كلفه من طاعته وافترض علـيه من فرائضه، فضل منه جل ثناؤه تفضَّل به علـيه، ولطف منه لطف له فـيه ولـيس فـي تركه التفضل علـى بعض عبـيده بـالتوفـيق مع اشتغال عبده بـمعصيته وانصرافه عن مـحبته، ولا فـي بسطه فضله علـى بعضهم مع إجهاد العبد نفسه فـي مـحبته ومسارعته إلـى طاعته، فساد فـي تدبـير ولا جور فـي حكم، فـيجوز أن يجهل جاهل موضع حكم الله، وأمره عبده بـمسألته عونه علـى طاعته. وفـي أمر الله جل ثناؤه عبـاده أن يقولوا: إيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بـمعنى مسألتهم إياه الـمعونة علـى العبـادة أدل الدلـيـل علـى فساد قول القائلـين بـالتفويض من أهل القدر، الذين أحلوا أن يأمر الله أحدا من عبـيده بأمر أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه الـمعونة علـى فعله وعلـى تركه.



{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
قال أبو جعفر: ومعنى قوله: اهْدِنا الصِّرَاطَ الـمُسْتَقِـيـم فـي هذا الـموضع عندنا: وَفّقنا للثبـات علـيه، كما رُوي ذلك عن ابن عبـاس.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس قال: قال جبريـل لـمـحمد: «قل يا مـحمد اهدنا الصراط الـمستقـيـم»، يقول: ألهمنا الطريق الهادي.
وإلهامه إياه ذلك هو توفـيقه له كالذي قلنا فـي تأويـله. ومعناه نظير معنى قوله: إيَّاكَ نَسْتَعِينُ فـي أنه مسألة العبد ربه التوفـيق للثبـات علـى العمل بطاعته، وإصابة الـحقّ والصواب فـيـما أمره به، ونهاه عنه فـيـما يستقبل من عمره دون ما قد مضى من أعماله، وتقضى فـيـما سلف من عمره، كما فـي قوله: إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مسألة منه ربه الـمعونة علـى أداء ما قد كلفه من طاعته فـيـما بقـي من عمره. فكان معنى الكلام: اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخـلصين لك العبـادة دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا علـى عبـادتك، ووفقنا لـما وفقت له من أنعمت علـيه من أنبـيائك وأهل طاعتك من السبـيـل والـمنهاج.
فإن قال قائل: وأنّـي وجدت الهداية فـي كلام العرب بـمعنى التوفـيق؟ قـيـل له: ذلك فـي كلامها أكثر وأظهر من أن يحصى عدد ما جاء عنهم فـي ذلك من الشواهد، فمن ذلك قول الشاعر:
لا تَـحْرِمَنِّـي هَدَاكَ اللَّهُ مَسْألتـي
ولا أكُونَنْ كمَنْ أوْدَى بِهِ السَّفَرُ
يعنـي به: وفقك الله لقضاء حاجتـي. ومنه قول الآخر:
وَلا تُعْجِلَنِّـي هَدَاكَ الـمَلِـيكُ
فإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالاَ
فمعلوم أنه إنـما أراد: وفقك الله لإصابة الـحقّ فـي أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: واللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِـمِينَ فـي غير آيَةٍ  من تنزيـله. وقد علـم بذلك أنه لـم يعن أنه لا يبـين للظالـمين الواجب علـيهم من فرائضه. وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وقد عمّ بـالبـيان جميع الـمكلفـين من خـلقه؟ ولكنه عنى جلّ وعز، أنه لا يوفقهم، ولا يشرح للـحق والإيـمان صدورهم.



{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ}
وقوله: صِرَاطَ الذينَ أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ إبـانة عن الصراط الـمستقـيـم أيّ الصراط هو، إذ كان كل طريق من طرق الـحقّ صراطا مستقـيـما، فقـيـل لـمـحمد صلى الله عليه وسلّم: قل يا مـحمد: اهدنا يا ربنا الصراط الـمستقـيـم، صراط الذين أنعمت علـيهم، بطاعتك وعبـادتك من ملائكتك، وأنبـيائك، والصديقـين، والشهداء، والصالـحين. وذلك نظير ما قال ربنا جل ثناؤه فـي تنزيـله: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكان خَيْرا لَهُمْ وأشَدَّ تَثْشْبِـيتا وإذا لآتَـيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجْرا عَظِيـما ولَهَدَيْناهُمْ صِرَاطا مُسْتَقِـيـما وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَـاولَئِكَ مَعَ الذَّينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَـيْهِمْ مِنَ النَّبِـيِّـينَ وَالصّدّيقِـينَ والشهَدَاءِ وَالصالِـحِينَ.
قال أبو جعفر: فـالذي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلّم وأمته أن يسألوه ربهم من الهداية للطريق الـمستقـيـم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق هو طريق الذين وصفهم الله بـما وصفهم به فـي تنزيـله، ووعد من سَلَكه فـاستقام فـيه طائعا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلّم، أن يورده مواردهم، والله لا يخـلف الـميعاد. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن ابن عبـاس وغيره.
حدثنا مـحمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَـيْهِمْ يقول: طريق من أنعمت علـيـم بطاعتك وعبـادتك من الـملائكة والنبـيـين والصديقـين والشهداء والصالـحين، الذين أطاعوك وعبدوك.
وحدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري، قال: أخبرنا عبـيد الله بن موسى، عن أبـي جعفر عن ربـيع: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ قال: النبـيون.
وحدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ قال: الـمؤمنـين.
وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: قال وكيع أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ: الـمسلـمين.
وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد فـي قول الله: صِرَاطَ الذِينَ أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ قال: النبـي صلى الله عليه وسلّم ومن معه.
;