الأحد، 30 يونيو 2013

تعرف على الاسلام ( 2 )

 
 
 
مفهوم العبادة في الإسلام
مفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل ، ذكرها الله سبحانه وتعالى في معرض بيان وظيفة الإنسان في هذه الحياة ، فحصر فيها حياته ، وجعلها الغاية من خلقه ، فقال سبحانه : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .




ولهذا كانت حياة المسلم كلها - كما أرادها الله - عبادة خالصة له سبحانه في جميع جوانبها الخاصة والعامة ، والاعتقادية والعملية . . . فالمسلم عبد الله في كل تحرك وسكون قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

ومن هنا عرف الإمام ابن تيمية - رحمه الله - العبادة بأنها :

" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، كالصلاة والزكاة ، والصيام والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد للكفار والمنافقين ، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة .

وكذلك حب الله ورسوله ، وخشية الله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمه ، والرضى بقضائه والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك من العبادة لله .

وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له ، والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .

وفي تأكيد هذا الشمول لمعنى العبادة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : " ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة ، أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف ، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولاً وأخيرًا . . . .

وإذا ما عرف العلماء العبادة بالخضوع الشامل ، والطاعة الكاملة ، فلا بد لنا من أن نلاحظ في تعريف العبادة بالنسبة للإنسان قيدًا خاصا يميز خضوعه عن خضوع غيره من المخلوقات ، فالكون كله بأملاكه وأفلاكه ، وجماداته وحيواناته خاضع لله عز وجل لا يخرج عن طاعته قيد شعرة ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ .

ولهذا كان لا بد لنا من قيد مميز لعبادة الإنسان عن عبادة غيره من المخلوقات ، قيد ينسجم مع ما وهبه الله إياه من نعمة العقل ، ألا وهو قيد " الإرادة " .

فعبادة الإنسان لله هي : خضوعه الإرادي الشامل وطاعته الإرادية المطلقة له سبحانه ، أما الخضوع القسري فلا مزية فيه لمخلوق على مخلوق . . .


(الجزء رقم : 2، الصفحة رقم: 188)

ومن هنا نلاحظ أن القرآن الكريم استعمل لفظة العبادة بالنسبة للإنسان استعمالاً يشعر بهذا القيد الإرادي فقال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وقال أيضًا : إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ والاستكبار عن العبادة أمر إرادي لا يكون إلا من الإنس والجن . أما غيرهم من الملائكة مثلا فلا يعرفون الاستكبار ؛ لأنهم مفطورون على الطاعة والخضوع . قال تعالى في وصف الملائكة :

إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ولهذا كان مفهوم العبادة في الإسلام يشتمل على عنصرين :

1 - الخضوع الشامل لله عز وجل .

2 - كون هذا الخضوع إراديًّا مقصودًا .

ولما كان الخضوع الإرادي لله عز وجل عنوان العبادة الحقيقية من هذا الإنسان ، كان كافيًا أن يرافق هذا الخضوع أي تصرف من تصرفات الإنسان الاختيارية أو الاضطرارية ليصبح هذا التصرف عبادة لله عز وجل ؛ لأنه ابتغى به وجهه ، وجاء على وفق رضائه ، ومن هنا كان بإمكان المسلم أن يجعل حياته كلها عبادة حتى عاداته وغرائزه من طعام وشراب ولباس وسكن ومتعة في هذه الحياة . . .

فهو يماثل غيره في صور هذه التصرفات ، ويتميز عن غيره في حقيقتها واعتبارها . . . ففي الحديث الشريف : ( وفي بضع أحدكم صدقة ) قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) .

كما يكفي أن يفارق هذا الخضوع الإرادي أي تصرف من تصرفات الإنسان ليفقد هذا التصرف وصف العبادة حتى ولو كان هذا التصرف صلاة وصيامًا ، أو زكاة وحجًّا أو غير ذلك من شعائر العبادات ، إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... كأن يقوم بمثل هذه العبادات ولا يقصد منها العبادة أو أن تكون من فاقد العقل مثلاً .


 المصدر : مجلة البحوث الاسلاميه
;